جدلية الهوية والمواطنة في مجتمع متعدد الثقافات: سوريا أنموذجًا

تشكل سوريا أنموذجاً معقداً وغنياً لمجتمع متعدد الثقافات، حيث تتداخل الهويات الدينية، القومية، واللغوية في فسيفساء بشرية فريدة من نوعها. هذا التنوع، الذي يُفترض أن يكون مصدر ثراء حضاري، تحول عبر عقود من الزمن – وبخاصة بعد العام 2011 – إلى ساحة صراع سياسي وهوياتي حاد، يكشف عن عمق الإشكال في العلاقة بين الهوية والمواطنة في المجتمعات التعددية حين تغيب العدالة والمساواة.
الهوية والمواطنة (تعريف وجدلية):
الهوية في السياق السوري تعني الانتماء إلى جماعة عرقية (كالعرب، الكرد، السريان الآشوريين، الأرمن…الخ)، أو دينية (مسلم، مسيحي، علوي، درزي، إيزيدي، إسماعيلي…)، أو مذهبية. أما المواطنة فهي الرابط القانوني والسياسي الذي يفترض أن يساوي بين جميع الأفراد أمام الدولة، بغض النظر عن اختلافاتهم.
في مجتمع متعدد مثل سوريا، كان من المفترض أن تقوم المواطنة بدور الجسر الذي يربط بين هذه الهويات المختلفة في إطار قانوني جامع. لكن الواقع كان – ولعقود – مختلفاً، حيث طغت هوية واحدة رسمية (القومية العربية والإسلام السني كمحور ضمني وسيطرة الطائفة العلوية على اعتبار أن رأس النظام الحاكم ينتمي إليهم) على حساب باقي الهويات.
التعدد الثقافي السوري بين الواقع والتهميش:
رغم أن الدستور السوري (خصوصاً قبل 2012) أكد على أن الدولة “جزء من الأمة العربية”، إلا أن هذا الطرح غيّب الهويات غير العربية، مثل الهوية الكردية وهويات أخرى. كما أن التعدد الديني والمذهبي لم يُترجم إلى تمثيل متوازن في مؤسسات الدولة، بل استخدم أحياناً لغايات سلطوية، من خلال سياسة “فرق تسد”.
مثال على ذلك: الكرد، رغم أنهم ثاني أكبر قومية في البلاد، لم يُعترف بلغتهم رسمياً، وتعرض الآلاف منهم للحرمان من الجنسية.
المكونات الدينية الصغيرة لم تنل تمثيلاً سياسياً أو ثقافياً متوازناً، إلا في إطار التحالف مع السلطة، لا من منطلق المواطنة المتساوية.
الربيع السوري، انفجار الهويات الكامنة:
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، طُرحت شعارات وطنية جامعة في البداية، مثل “واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد”. لكن مع تصاعد العنف وغياب الدولة الجامعة، برزت الانتماءات الطائفية والقومية كملاذات دفاعية، وأحياناً هجومية. ففقدت المواطنة مكانتها كقيمة عليا، لتحلّ محلها هويات فرعية مسيّسة، قادت إلى انقسام البلاد فعلياً بين كيانات ذات مرجعيات دينية أو قومية.
الإشكالية السورية، غياب دولة المواطنة:
تكمن جذور الأزمة في:
– مركزية السلطة وتغليب هوية رسمية واحدة.
– غياب عقد اجتماعي حقيقي يعترف بالتنوع ويؤسّس للمساواة.
– ربط المواطنة بالولاء السياسي لا بالحقوق المدنية.
هذا ما جعل كثيراً من المكوّنات السورية تشعر بأنها “ضيوف في وطنهم”، ما أضعف الانتماء الوطني وفتح المجال للتدخلات الخارجية على أسس طائفية وقومية.
الحل الممكن نحو مواطنة تعددية:
لكي تتجاوز سوريا أزمتها البنيوية، لا بد من إعادة بناء العلاقة بين الهوية والمواطنة، وفق أسس جديدة:
– إقرار التعددية الثقافية والدستورية، لا على أساس المحاصصة، بل على قاعدة الاعتراف والمساواة.
– صياغة دستور جديد يضمن الحقوق السياسية والثقافية لكافة المكوّنات دون تمييز.
– بناء نظام مدني ديمقراطي تعددي لامركزي يفصل الدين والقومية عن أدوات الحكم، ويركز على الإنسان كمواطن لا كعضو في طائفة.
– إصلاح التعليم والإعلام لترسيخ قيم العيش المشترك والتنوع الإيجابي.
إن جدلية الهوية والمواطنة في سوريا ليست مجرد سجال فكري، بل قضية وجودية تتوقف عليها وحدة البلاد واستقرارها. فدون الاعتراف بالتنوع السوري بوصفه ركيزة لا عبئاً، ودون تحويل المواطنة إلى عقد جامع لكل السوريين، ستبقى الهوية سلاحاً في وجه الدولة بدل أن تكون ركناً في بنائها.
سوريا يمكن أن تكون نموذجاً فريداً للتعايش والثراء الحضاري، إن وُضعت الهويات في إطار دولة عادلة، لا دولة إقصاء أو هيمنة.
عزيز احمو




