سوريا.. من حضن الدب الروسي إلى جيب العم سام

معلوم أن دولة ضعيفة مثل سوريا تعاد صياغتها وفق حاجات مراكز القرار في كواليس الدول العظمى لا وفق إرادة شعوبها، فسقوط نظام بشار الأسد لم يكن سوى إعادة توزيع تقليدية لمجال النفوذ بين القوى الكبرى، حيث باستطاعتنا أن نقول إن الحقبة الروسية في سوريا قد انتهت والتي دامت قرابة أكثر من 70 عاماً وبدأت الحقبة الأمريكية لتملأ الفراغ الجيوسياسي التي تتقنه جيداً وتدير الأزمات بما يضمن استمرارية البنية نفسها التي تبقي المنطقة في حالة قابلة للاشتعال. فالمسألة لا تتعلق بانتقال ديمقراطي بل بانتقال وصاية. إن سوريا قد دخلت في هندسة القوى الكبرى والآن تستطيع تلك القوى ومن خلال الموقع الجيوسياسي لسوريا إعادة تشكيل الشرق الأوسط برمته. والسؤال الذي يتردد على ألسنة السوريين ما هو سر دعم ترامب لأحمد الشرع؟ فلا يعقل أن رئيس أعظم دولة في العالم أن يمدح رئيس دولة ناشئة تثقل كاهلها الحروب الطاحنة وأنهكتها السنين العجاف من الحرب الأهلية، ورئيسها غير منتخب ولم يختبر في السياسة وذو ماض إرهابي وخرج لتوه من مجازر ارتكبتها جيشه وفصائله في الساحل السوري بحق المكون العلوي وبعدها بحق المكون الدرزي في السويداء وكذلك المكون المسيحي.
أعتقد جازماً أن ترامب بهذا الإقبال على شخص أحمد الشرع قد حاول إرضاء ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي أغدق عليه مليارات الدولارات وتوسط لأحمد الشرع.
السبب الثاني هو التطبيع مع إسرائيل، وبإمكان الشرع إقناع الوسط السني بالسلام مع إسرائيل وعقد الاتفاق الإبراهيمي والذي بموجبه يتخلى عن المحافظات الجنوبية الثلاث مع قسم من محافظة ريف دمشق منزوعة السلاح ومنزوعة السلطة.
أما السبب الثالث فهو حل وتفكيك مجاميع المهاجرين الأجانب من إيغور وشيشان وطاجيك وغيرهم وإبعادهم عن السلطة.
إن فتح الباب أمام تطبيع مع الحكومة الانتقالية ذات اللون الواحد والمذهب الواحد ليست هدية مجانية، بل اختبار صارم تحت طائلة الفصل السابع وقانون قيصر والقرار الأممي ٢٢٥٤ ذلك القرار الذي تم صياغته بنزع السلاح من المهاجرين، ويمنح القرار ستة أشهر للتطبيق وأي تقاعس سيؤدي بإدراج اسم الشرع وأنس خطاب وباقي الجوقة تحت طائلة البند السابع.
من جانب آخر فتركيا لا تريد حرق ورقة الأجانب، فهؤلاء يشكلون مخلب تركيا في سوريا بعدما أزاحوا المخالب الإيرانية وبعدما حل محور المقاومة السنية محل محور المقاومة الشيعية، فهل يخرج الشرع من بيت الطاعة التركية؟
إن أمن إسرائيل هي الأولوية القصوى لدى الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا، لهذا فإن ما تريده إسرائيل هي تطبيع العلاقات بجوانبها السياسية والاقتصادية والثقافية وليس اتفاقاً أمنياً، ويبدو أن الرئيس السوري المؤقت يراهن التعويم على الدور الإقليمي والدولي لتثبيت دعائم حكمه متناسياً أن المشروعية السياسية الداخلية هي الأساس المتين لتثبيت الحكم وديمومته، وإذا لم يبادر بأي خطوات لبناء نظام تعددي ومشاركة جميع المكونات السورية بقومياتها وطوائفها وكياناتها الاجتماعية وإقامة نظام فيدرالي وبآلية اللامركزية السياسية فلن تتحمل سوريا ونظامها الحالي تبعات التطبيع مع إسرائيل، وكذلك نزع سلاح المنفلتين الجهاديين والعمشات والحمزات وغيرهم سيكون صعباً للغاية تنفيذ هذه الشروط لوحده.
وللأسف فإن أحمد الشرع لم يقم بأية خطوات لبناء دولة وطنية تعددية تشاركية ومازال أسيراً للتجاذبات الإقليمية وخاصة التركية – القطرية لإجراء أي تغيير داخلي، فالولايات المتحدة الأمريكية دعت الشرع لثلاثة أهداف أولاً السلام مع إسرائيل، ثانياً حماية المكونات، ثالثاً ضرب الأجانب.
أما ملف الإدارة الذاتية الديمقراطية فكان الملف الطاغي على جدول الأعمال، حيث أوعزت أمريكا للشرع بدمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن الجيش السوري ككتلة واحدة، وتحافظ على جغرافية شمال وشرق سوريا بفيالقها وألويتها، أما قوات (HAT) فهي لها مطلق الصلاحية على كامل الجغرافيا السورية لملاحقة الإرهابيين من داعش وغيرهم الذين هم على قوائم الإرهاب، ونظام لامركزي ومشاركة كل أطياف الشعب السوري بنظام الحكم وإقامة نظام ديمقراطي تعددي وتشاركي، وانتخابات حرة ونزيهة.
تركيا خشيت على فقدان نفوذها بعد رجوع أحمد الشرع إلى دمشق، فبادرت إلى تصفية أحد الإرهابيين المستوطنين وإلصاق التهمة بالكرد وقسد، ومن ثم حرضت أدواتها بشن هجمات على الأطراف الغربية لمحافظة السويداء، وبعدها سارعوا إلى توجيه صاروخين باتجاه القصر الجمهوري ولكن انفجرت تلك الصواريخ البدائية داخل حي المزة.
إن تباطؤ أحمد الشرع وطاقمه في تنفيذ اتفاقية ١٠ آذار لا يجديه نفعاً من الاستحقاقات المترتبة عليه، وهي الاعتراف بالإدارة الذاتية الديمقراطية والاعتراف بحقوق الشعب الكردي وإدماج قسد في قوام الجيش السوري المتهالك البائس أصلاً، والفيدرالية آتية لاريب فيها وإن موعدنا الصبح، أليس الصبح بقريب؟
محمد شيخموس


