الهوتة… رواية الحافة والهاوية (قراءة في سردية المأساة السورية)

رواية “الهوتة” للروائية السورية نجاح إبراهيم ليست مجرد عمل سردي يُضاف إلى المكتبة السورية، بل هي نص وجودي يدفع بالقارئ إلى مواجهة مباشرة مع أسئلة الهاوية..الموت، العدم، القمع، والاغتراب. تأتي هذه الرواية التي حصلت على جائزة حنا مينه للرواية (المركز الثالث) عام 2021، كشهادة أدبية من قلب زمن الحرب السورية، حيث تُقدم بسردية فنية عالية التعامل مع المأساة من خلال استعارة “الهوتة” المركزية التي تتحول من حفرة تُلقي فيها داعش بضحاياها إلى استعارة كبرى للوطن الذي أصبح مقبرة جماعية.
تكمن جرأة الرواية في توقيت نشرها عام 2022، حيث تعالج بأثر رجعي جراح سنوات الحرب والإرهاب، في سياق زمني تحولت فيه سورية إلى فضاء للموت، حيث تقدم الرواية بجرأة فنية تناول الآثار الإنسانية المدمرة والتحولات الاجتماعية العميقة، مسلطة الضوء على مآسي التهجير والقمع كما يتجسد في شخصيتي “حامد” و”بهار” الهاربتين من طغيان داعش وهمجيته.
منذ العنوان، تضعنا الكاتبة أمام رمز كثيف، فالهوتة ليست مجرد حفرة أسطورية، بل هي استعارة عن الهاوية السورية ذاتها، عن بلد يتأرجح على حافة السقوط، وشخصيات تعيش تحت وطأة الحرب والاستبداد والانهيار الأخلاقي.
وفي هذا التحول الدلالي، تتحول الرواية من سرد أحداث إلى وثيقة أنثروبولوجية تعكس تجربة اللاجئ والنازح والمحاصر في جغرافيا الموت.
تنبض لغة الرواية بشعرية عالية، تتراوح بين التكثيف والرمز، وبين المشهدية السينمائية والتقطيع الدرامي الذي يحاكي تشظي الواقع، كما تتعدد الأصوات السردية، فتختفي هيمنة الراوي العارف بكل شيء، لتحل محلها فسيفساء من الشهادات والاعترافات والهواجس، وكأن الرواية تريد أن تقول إن الحكاية لم تعد حكراً على أحد، بل هي ملك جماعي لزمن مأزوم.
ورغم أن نجاح إبراهيم لا تقدم خطاباً سياسياً مباشراً، إلا أنها تجعل القارئ يختبر قسوة الواقع والذي تحول إلى رموز عنف وشقاق، ومأساة، حيث السجون، الحروب، الانقسامات الطائفية، وضياع الإنسان في وطنه.
فالهوتة هنا ليست مكاناً فحسب، بل هي زمن معلق يعيش فيه السوري بين ماضٍ مأزوم وحاضر مسدود وآفاق غائمة.
تمنح الرواية للمرأة حضوراً خاصاً في خضم هذا العتم، فشخصياتها النسائية لا تظهر كضحايا سلبيات، بل كأصوات تبحث عن الخلاص والحب والعودة إلى الإنسانية، وهنا يتجلى البعد النسوي للنص، الذي يقاوم ثقافة القمع الذكوري والسياسي معاً، مقدماً نموذجاً للمرأة الفاعلة في رحم المأساة.
تكمن قوة “الهوتة” في لغتها الرمزية وجرأتها في مقاربة المأساة السورية من الداخل، بينما قد يشكل غلبة التجريد على بعض المقاطع تحدياً للقارئ الذي يفضل السرد التقليدي، ومع ذلك، تظل الرواية واحدة من الأعمال التي تحاول أن تكتب من قلب الهاوية، وتجعل من الأدب نفسه وسيلة لمقاومة السقوط الكامل.
باختصار، ليست “الهوتة” رواية للقراءة العابرة، بل نص يحتاج إلى إنصات عميق، لأنها لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تسعى إلى تفكيك مأساة وطن وإنسان، عبر لغة مشحونة بالرموز والمراثي والأمل المؤجل، لتؤكد أن الأدب يظل آخر مقومات المقاومة في زمن الهاوية.
بقلم: عبدالوهاب پيراني




