بين مطرٍ غائب وارتفاع تكاليف الإنتاج… تحديات قاسية تواجه الموسم الزراعي الشتوي

مع اقتراب انطلاق الموسم الزراعي الشتوي، يعيش الفلاحون والمزارعون في مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية حالة من القلق والترقب، وسط شحّ المياه وغلاء المستلزمات الزراعية وغياب الاستقرار المناخي، ما جعل الزراعة — وهي العمود الفقري للاقتصاد المحلي — تواجه أحد أصعب مواسمها منذ سنوات.
شحّ المياه.. معاناة مستمرة بلا حلول جذرية:
تُعد أزمة المياه أبرز ما يثقل كاهل المزارعين في مناطق الجزيرة وكوباني والرقة ودير الزور. فمع انخفاض منسوب نهر الفرات نتيجة حجز تركيا لحصة سوريا من المياه، تراجعت قدرة محطات الضخ على تزويد الأراضي الزراعية بالري الكافي، الأمر الذي جعل آلاف الهكتارات عرضة للجفاف والتصحر.
كما تشير التقديرات الأولية إلى أن الموسم الحالي قد يشهد انخفاضاً في معدلات الأمطار مقارنة بالسنوات السابقة، ما يزيد من اعتماد المزارعين على شبكات الري المحدودة أصلاً.
يقول “أبو حسن”، أحد مزارعي ريف الحسكة، إنهم باتوا يعتمدون على الآبار الارتوازية التي تعمل بالمحروقات، لكن ارتفاع أسعار الوقود جعل تكاليف الزراعة “أقرب إلى المستحيلة”.
ويضيف: “زرعنا الأرض أكثر من مرة، لكن غياب المياه حرمنا من الإنتاج. تعبنا من الوعود، نريد فقط أن نروي أرضنا ونعيش من تعب أيدينا”.
نقص المستلزمات وارتفاع تكاليف الإنتاج:
يواجه المزارعون صعوبات في تأمين البذار المحسّنة والأسمدة والمحروقات، في ظل ارتفاع الأسعار وصعوبة النقل بين المناطق. كما أن الأعطال المتكررة في شبكات الكهرباء والري أثرت سلباً على الاستعدادات للموسم.
ورغم جهود هيئات الزراعة ولجان المحروقات في الإدارة الذاتية لتوزيع المواد وفق خطط مدروسة، إلا أن الطلب الكبير وتراجع الموارد المتاحة ما زالا يفرضان ضغوطاً إضافية على القطاع الزراعي.
يقول أحد المزارعين من ريف قامشلو: “حتى لو وُجد السماد، سعر الكيس تجاوز قدرتنا. نشتري بالدين ونزرع بالأمل، لكننا نخسر كل عام أكثر من الذي قبله”.
انخفاض تسعيرة الشراء وتراجع الإنتاج:
هذه التحديات أدت إلى تراجع واضح في المساحات المزروعة، لاسيما بمحاصيل القمح والشعير، ما ينذر بانخفاض إنتاج القمح — الذي يشكّل ركيزة الأمن الغذائي في المنطقة.
كما أن خفض تسعيرة الشراء وتحديدها من قبل الإدارة الذاتية جعل المزارعين غير قادرين على تسويق محاصيلهم بأسعار تغطي تكاليفهم، ما فاقم معاناتهم وأفقدهم الدافع للاستمرار.
جهود الإدارة الذاتية لمواجهة الأزمة:
من جانبها، أكدت هيئة الزراعة والري في الإدارة الذاتية أنها تعمل على تنفيذ خطة طوارئ للموسم الشتوي تتضمن:
– توزيع البذار المدعومة بأسعار تشجيعية.
– تخصيص كميات من المحروقات للمزارعين وفق الأولويات الإنتاجية.
– تشجيع الزراعة البعلية والمحاصيل المقاومة للجفاف في بعض المناطق.
– كما تسعى الإدارة الذاتية إلى إيجاد حلول بديلة للطاقة عبر مشاريع صغيرة للري تعمل بالطاقة الشمسية، في محاولة لتقليل الاعتماد على المحروقات المكلفة.
المزارع بين الأمل واليأس:
رغم الجهود المبذولة، يبقى المزارع هو الطرف الأكثر تضرراً. فالكثيرون منهم اضطروا لبيع جزء من ماشيتهم أو أراضيهم لتسديد ديون المواسم السابقة.
ويقول أحد المزارعين: “الفلاح صار يزرع فقط ليحافظ على أرضه من التصحر. لا نربح، لكننا لا نريد أن نترك الأرض تموت”.
أزمة وطنية تهدد الأمن الغذائي:
الزراعة ليست مجرد نشاط اقتصادي في إقليم شمال وشرق سوريا، بل شريان حياةٍ يغذي آلاف العائلات ويؤمّن جزءاً كبيراً من حاجة البلاد من الحبوب والخضروات. ومع استمرار الأزمة المائية وغياب الدعم الكافي، يواجه الأمن الغذائي السوري تهديداً حقيقياً قد يمتد لسنوات قادمة.
خاتمة:
يبقى الموسم الزراعي الشتوي المقبل اختباراً حقيقياً لقدرة مؤسسات الإدارة الذاتية والمجتمع المحلي على مواجهة الظروف القاسية، وإثبات أن الإصرار على الزراعة والبقاء في الأرض هو شكل من أشكال المقاومة والصمود في وجه التحديات الاقتصادية والمناخية والسياسية على حد سواء.
رغم الصعوبات، يبقى الفلاح السوري مثالاً للصمود في وجه الأزمات، مؤمناً بأن الأرض هي الحياة. فبين جفاف الأنهر وغياب المطر، لا يزال المزارع متمسكاً ببذرة الأمل، منتظراً موسماً أفضل يعيد له بعضاً من حقه وكرامته.



