آفاق حل الأزمة السورية بعد مرور عام على سقوط نظام البعث

-1-
وسط الاضطراب الشديد في الداخل السوري، وعدم استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتدخل الخارجي المتعدد الأشكال والجهات، بما في ذلك التدخل العسكري، يستمر الغموض حول مستقبل سوريا، حتى أن بعض الجهات تخشى من خطر تقسيم محتمل للبلاد.
وإزاء هذه الأوضاع، وبكل أسف فإن الحلول تكاد تخرج عن إرادة السوريين بسبب تلك التدخلات التي تهدف إلى بناء سوريا وفق رغباتها، إذ كلما دق الكوز بالجرة، وعند أي حدث، كبيراً كان أو صغيراً يهرع وزير الخارجية السوري بأقصى سرعة إلى تركيا لإطلاع مسؤوليها عليها والحصول على موافقتها ورأيها، أو يهرع وزير الخارجية التركي إلى دمشق لمباركة الخطوة أو رفضها، وتوزيع الأوامر الجديدة، وكأنه وزير خارجية سوريا أيضاً، وزيارات رئيس الإدارة الانتقالية وباقي مسؤوليها إلى موسكو وواشنطن وغيرهما لا تحتاج إلى تعليق، ناهيكم عن الوضع في الجنوب السوري، والمواقف من المكونات السورية التي تدفع الأمور نحو مخاطر حقيقية.
الإدارة الانتقالية تعرف جيداً أن وصولها الدراماتيكي إلى السلطة في دمشق كان بدعم دولي وإقليمي، بل بمخطط دولي وإقليمي، وتعرف جيداً أيضاً أن استمرارها في الحكم مرهون أيضاً بإرادة تلك الجهات، ولهذا فإنها ترى أن الاهتمام بالحصول على الشرعية الخارجية أهم من الحصول على الشرعية الداخلية، الشرعية من الشعب السوري، وقد أثبتت زيارة الشرع الأخيرة إلى الولايات المتحدة هذه الحقيقة بكل وضوح، يضاف إلى كل تلك الأوضاع المأساوية التي تعيشها البلاد، الصراع المكشوف على سوريا، فتركيا إضافة إلى احتلالها لأجزاء كبيرة من الأراضي السورية لا تكتفي بذلك، بل أنها تسعى إلى إقامة قواعد عسكرية في العديد من المناطق السورية، بما في ذلك في وسط البلاد وجنوبها، كما أنها تعمل بحمية للسيطرة على جميع مفاصل القرار السوري السياسي والاقتصادي والثقافي، وبعبارة مختصرة إلى جعل سوريا دولة تابعة لها، كما أن إسرائيل وبسبب السياسة الهوجاء للإدارة الانتقالية جعلت كامل الجنوب السوري (السويداء، درعا والقنيطرة) وقسماً من محافظة ريف دمشق منطقة منزوعة السلاح، واحتلت أراض جديدة بما في ذلك قمة جبل الشيخ الاستراتيجية التي تشرف على دمشق، وإذا كانت بعض الدول العربية تسعى إلى إعادة سوريا إلى محيطها العربي، فإنه يبدو أنها تصطدم بعوائق كبيرة، خاصة أن الإدارة الانتقالية أو بعض جهاتها تعمل من أجل تحويل سوريا إلى قاعدة ضد مصر التي تتخذ مواقف صارمة من أجل حماية سوريا.
-2-
إذا كانت الإدارة الانتقالية منذ استيلائها على السلطة في دمشق قبل عام قد تمكنت من إحداث خرق باتجاه الخارج وإقامة علاقات معه لأن هذا الخارج في الأساس قد ساهم بالإتيان بها، فإنه يمكن القول إن مواقفها وسياساتها قد فشلت تجاه الداخل، خاصة بعد مجازر الساحل ضد العلويين ومجازر السويداء ضد الدروز، ومحاولاتها في التحشيد ضد مناطق الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، إذ إضافة إلى اعتداءاتها على حيي الشيخ مقصود والأشرفية الكرديين في مدينة حلب، تقوم قوات الإدارة الانتقالية بشن هجمات في العديد من المناطق ضد قوات سوريا الديمقراطية، ومنها منطقة دير حافر ومناطق دير الزور، وكان آخر هجوم لها في قرية غانم العلي شرق الرقة بالاشتراك مع داعش، كما أن حملاتها الإعلامية الكثيفة ضد قسد والإدارة الذاتية والكرد عموماً لازالت مستمرة، ومن جانب آخر فقد فرضت الإدارة الانتقالية موقفها إزاء مسألة شكل وطبيعة الحكم في البلاد بشكل قسري، ودون التشاور مع القوى السياسية والاجتماعية في البلاد، أو مع المكونات السورية المتعددة على قاعدة (من يحرر يقرر) الدكتاتورية، ومنعت نشاط القوى والأحزاب السياسية والاجتماعية، ومع المكونات السورية المتعددة، ومنعت الحريات الديمقراطية، بل أنها تعتبر الديمقراطية نهجاً كافراً، ولم ترد كلمة الديمقراطية في أي من وثائقها، وحتى في تصريحات مسؤوليها، وفرضت أيضاً إعلاناً دستورياً من جانب واحد، وشكلت مجلس شعب لا شبيه له في العالم، وبالترافق مع كل ذلك يزداد الوضع المعيشي للشعب سوءاً في ظل استعراضات باستقدام استثمارات وهمية لأن الاستثمار الحقيقي يحتاج إلى بنية قانونية راسخة، وإلى الأمن والاستقرار، وقبل هذا وذاك فإن موقف هذه الإدارة ونهجها تجاه مكونات الشعب السوري خطير جداً، إذ تأتي كافة تصرفاتها لتضر بالوحدة الوطنية في البلاد في إطار التمييز بين المواطنين على أساس الدين والمذهب والقومية والجنس، فلا يكاد يمر يوم دون أعمال انتقامية من قتل واختطاف، وكلها أعمال تؤدي إلى زعزعة الأمن والاستقرار، وإلى تفكيك البنية الداخلية في البلاد.
كل هذا يدل على أن الوضع الداخلي في البلاد خطير، بل ويزداد خطورة في ظل الفشل في القيام بأعمال إيجابية من أجل إعادة توحيد الشعب السوري، وبالتالي وحدة البلاد، كما يدل أيضاً على أن الأزمة السورية التي تشكلت خلال حكم البعث وسلطة الأسد لازالت مستمرة، بل أنها تتعقد أكثر فأكثر.
-3-
إن استعراض الوضع في البلاد على نحو ما ذكر أعلاه بجميع جوانبه، سواء كان موقف الإدارة الانتقالية الذي يسير باتجاه سيطرة اللون الواحد، وتجاهل كافة المكونات الأخرى، بل محاربتها، ورفض أي عملية ديمقراطية ونضالات الشعب وقواه السياسية والاجتماعية لم يعد كافياً لتشكيل رؤية سياسية متكاملة، فهذا الوضع قد أصبح معروفاً لدى الداخل والخارج، وأصبح الموضوع يتركز الآن على مسألة ما العمل؟ وعلى البرنامج السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يجب طرحه لمواجهة الوضع الجديد في سوريا.
إن اعترافاً دستورياً صريحاً بكافة المكونات السورية القومية والدينية والمذهبية، ووضع دستور سوري جديد، وإلغاء الإعلان الدستوري يصبح اليوم ضرورة قصوى لا يمكن للإدارة الانتقالية القفز من فوقها، ولا يمكن للبلاد التمتع بالأمن والاستقرار بدون ذلك، وأن هذه المسألة ترتبط بقوة بالمسألة الديمقراطية والحريات العامة، حرية التعبير عن الرأي، حرية الصحافة وحرية التنظيم وغيرها، ويتقدم كل ذلك مهمة إقامة حوار وطني سوري شامل ودون إقصاء، يحضره ممثلو كافة المكونات وممثلو القوى السياسية والاجتماعية، وإعادة الحياة السياسية الطبيعية إلى البلاد وإعادة الثقة بين أبناء الشعب السوري خاصة بعد المجازر التي ارتكبتها العصابات المرتبطة بالإدارة الانتقالية ضد العلويين والدروز وتهديداتهم المستمرة ضد الكرد وباقي المكونات، وفي هذا المجال فإننا نثمن عالياً تصريح الجنرال مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية الذي تضمن بأن أي حوار مع الإدارة الانتقالية يجب أن يحضره ممثلون عن العلويين والدروز أيضاً.
إن حل الأزمة السورية يوجب بداية تأمين استقلال قرار سوريا السياسي وعلاقاتها الدولية، فسوريا كدولة يجب أن تقيم علاقاتها الخارجية على أساس حسن الجوار والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وعلى هذا الأساس يجب عدم قبول العلاقات الحالية مع تركيا التي تقوم على التبعية، فتركيا تسيطر على القرار السوري وتحتل الأراضي السورية وتعادي مكوناته وبخاصة الكرد، ويجب التأكيد هنا أيضاً على أن الشرعية الحقيقية تأتي من الداخل، من الشعب السوري قبل أن تأتي من الخارج، ولهذا فإنه وكما خرجت إيران من سوريا يجب إخراج تركيا أيضاً لأنهما المسؤولتان عما وصلت إليه حال البلاد.
-4-
إن الحوار الحقيقي يجب أن يبدأ وينطلق من شكل وطبيعة نظام الحكم من خلال إنجاز دستور وطني ديمقراطي توافقي يصون ويحترم الحريات الديمقراطية، ويحمي حقوق جميع المكونات السورية، ومثل هذا التوافق هو وحده الذي يجمع جميع السوريين.
إن نظام الحكم الذي يتوافق مع طبيعة الشعب السوري المتعدد المكونات وإرادته، هو نظام الحكم الذي يرتكز على بناء الدولة الوطنية الديمقراطية متعددة المكونات، ويقوم هذا النظام على مفهوم اللامركزية السياسية، بحيث تتشكل سوريا من عدة أقاليم، ويكون لكل إقليم حكومته المحلية بمجالسها التشريعية والتنفيذية والقضائية، وباقي مؤسساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
إن إحدى أهم ضرورات تجاوز الأزمة الراهنة هو بناء جيش وطني حقيقي، بينما جيش الإدارة الانتقالية الحالي هو جيش فصائلي، إذ بالرغم من إعلان حل الفصائل ودمجها في جيش واحد إلا أن الأمر ليس كذلك، ولم يتم حل أي فصيل، وجميع الفصائل لازالت تحتفظ بهيكليتها وقياداتها، يضاف إلى ذلك وجود العديد من الفصائل الأجنبية والفصائل المنفلتة.
إن الجيش الحقيقي الموجود في سوريا هو قوات سوريا الديمقراطية، وهي منظمة ومدربة بشكل جيد، وتتشكل من جميع المكونات السورية، ومن الواقعي أن تكون هذه القوات هي نواة الجيش السوري الجديد، ومن غير الواقعي المطالبة بحلها ودخولها إلى جيش فصائلي كأفراد، لأن غايات الإدارة الانتقالية بالمطالبة بذلك أكثر من واضح، وهي إقامة نظام حكم دكتاتوري من لون واحد، وإبادة الكرد بعد مجازر الساحل والسويداء.



