دمشق.. من الدكتاتورية إلى الاستبداد

في ذروة الحرب الأهلية والطائفية السورية، وقبل فرار الأسد، كان الاستياء من حكمه في تصاعد مستمر وسط صفر مبادرات لإنهاء تلك الحرب والجلوس على طاولة المفاوضات الذي كان مطلباً سياسياً وشعبياً ملحاً، لكن القمع ولغة المنع كان دائماً الحجر الأساس في آلية النظام الدكتاتوري لمواجهة تلك الاحتجاجات، ومواجهة تلك المطالب أيضاً.
يبدو أن تلك الذروة لم تنتهِ بعد، بعد انتهاء أو إنهاء حقبة الأسد في سوريا، فاستئنفت الحرب الأهلية مجدداً في تسلم أبو محمد الجولاني مقاليد السلطة في دمشق، حيث شنت، فصائله، هجمات مسلحة بصبغة طائفية مقيتة، وبباغراوند راديكالي وجذور بقايا القاعدة، على الساحل السوري بحجة أن “الساحل” مرتع الطائفة العلوية، وهجمات مشابهة على محافظة “السويداء” بحجة أنها جغرافيا “الدروز”، وبدأت تتصاعد لغة الكراهية وتصل الحرب الأهلية والطائفية إلى ذروتها أمام شاشات التلفزة ووسائل التواصل بشكل مباشر، تحت يافطة حرب داخلية قذرة شنتها تلك الفصائل العسكرية على أبناء البلد الواحد دون رادع أو دون التباهي بأن هنالك سلطة “جديدة” تحكم دمشق.
دمشق، العاصمة، لم يتغير فيها شيء، انتهت حقبة الدكتاتورية فبدأت حقبة الاستبداد. الخارطة السورية لم يتغير فيها شيء، سوى أنه تم استبدال جيش شبه نظامي بفصائل مرتزقة من جنسيات مختلفة ومنها الجنسية السورية أيضاً. رأس هرم السلطة في دمشق لم يتغير إلا من ناحية الوجوه، ذهب بشار الأسد وترأس الهرم أبو محمد الجولاني. الآيديولوجيا بقت على حالها تحت مسميين مختلفين: أندثر البعث وبُعثت هيئة تحرير الشام.
لقد سرّعت ديناميكيات “الثورة” المضادة والحرب الأهلية المستفحلة في الخارطة السورية من انتشار سمّ الطائفية في عموم المنطقة، إلا أنها كان سماً ذاق مرارته المكونات السورية وما زالت، وربما لن ينتهي مفعول ذاك السم في القريب العاجل إذا بقيت السياسات المفروضة على دمشق بذات الوتيرة مما كانت تلك السياسات الإقليمية مفروضة على نظام الأسد ذاته.
الأسد كان يعوّل على إيران التي جعلت سوريا ساحة لتصفية حساباتها، والجولاني يعول على تركيا التي لم تشبع منذ العام 2011 وإلى يومنا هذا من تصفية حساباتها، ولن تنتهي أيضاً إلا إذا أدركت تركيا أن خطراً إقليمياً يوجهها وهذا ما تأمله المكونات السورية بعد أن كان تركيا الدولة التي خربت المدن ودمرت الجغرافيا وشردت البشر، وما تزال تحلم بحكم سوريا كأية ولاية عثمانية.
لم تتغير أوجه الشبه القاتمة، بين النظامين: الأسد والجولاني، مع الفظائع التي ارتكبتها “قواتهم” في مناطق مختلفة من سوريا، لأنهما طبقا سياسات قمعية وصلت إلى حد الإبادة، وهذا ليس غريباً على همجية البعث وراديكالية بقايا جبهة النصرة.
منح فرصة من جانب القوى الدولية لأبو محمد الجولاني ليصير حقاً أحمد الشرع، كان رهاناً لإرساء السلام والتعددية والحرية واستعادة الكرامة، إلا أنها فرصة تحولت إلى ذريعة للانتقام الطائفي والاقتتال الداخلي، فباتت رهانات دول خاسرة وعاد الشرع إلى جولانيته، بينما كان الأجدى به إنهاء عمليات تركيا وفصائلها العسكرية وسياساتها المدمرة في سوريا، تركيا التي ما زالت تحلم بتسعير حرب أهلية جديدة ضد الكرد لتكون سوريا بؤرة للحروب الطائفية والعرقية بعد أن فشل جميع الرهانات على اخماد تلك النيران الطائفية والمذهبية.
سوريا الجديدة سيكون عنوانها: سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية، وإلا فإن الثورة السورية التي بالأساس كانت ضد الدكتاتورية لن تخمد، إلا بإنهاء الاستبداد أيضاً الذي فرضته حكومة دمشق الجديدة بقيادة أبو محمد الجولاني.. عفواً بقيادة أحمد الشرع.
فتح الله حسيني



