الحزب اليساري الكردي …60 عاماً من الحلم والوعي والحرية (ذكريات من وحي المناسبة)
بقلم: عبدالوهاب پيراني
منذ انطلاقته الأولى في الخامس من آب عام 1965، لم يكن الحزب اليساري الكردي في سوريا مجرد تنظيم سياسي، بل كان تعبيراً عن لحظة وعي ثوري فرضتها طبيعة المرحلة القومية والاجتماعية، ومحصلة لعقود من الاضطهاد القومي والطبقي، ومن حرمان الكرد من أبسط حقوقهم السياسية والثقافية، ومن تهميش القوى الكادحة ضمن بنية الاستبداد البعثي.
جاءت هذه الانطلاقة في سياق كانت فيه البلاد تغلي بالتحولات، وبرزت الحاجة إلى خط فكري تقدمي وطبقي ووطني، يربط بين النضال القومي المشروع للشعب الكردي وبين تطلعات العمال والفلاحين والطلبة في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وكان للحزب اليساري الكردي في سوريا دور ريادي في هذا المسار، مستنداً إلى رؤية ثورية واعية، وتجربة نضالية مريرة لكنها صلبة.
في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كانت الساحة الطلابية تعيش حالة غليان ثوري، وكانت الثانويات والمعاهد والجامعات السورية وخاصة في مدن الجزيرة ودمشق وحلب وحمص ساحات للنقاش والجدل، ومخابر لتبلور الوعي السياسي، كنا كطلبة حالمين بالحرية نحمل في جيوبنا الصغيرة جريدة (طريق الشعب) ذات الأوراق الثلاث، نحميها كما نحمي سرنا الشخصي، ونخفيها عن عيون المخابرات وعملائه، ونقرأها ضمن غرف مغلقة، ونمررها سراً من يد إلى يد.
كانت اجتماعات الحزب تُعقد في سرية كاملة، في بيوت الرفاق أو غرف الطلاب، وفي كل مرة كنا نغامر بجسدنا ومستقبلنا، في زمن حافظ الأسد حيث جهاز الأمن السوري لم يكن يرحم، وكانت الشبهة كافية لاعتقال طالب أو نفيه أو طرده من الجامعة. ورغم ذلك، كنا نكتب، ونوزع، ونناقش، وننخرط في النضال لا كرفاهية فكرية، بل كخيار وجودي.
في نهاية الثمانينيات، نشرت أولى مقالاتي على صفحات طريق الشعب، ولم أكن قد أتممت العشرين من عمري، كانت لحظة فارقة، لا تُنسى، أن يقرأ مقالك رفاق الحزب ورفيقاته، ومناضلوه ومحبوه، كان بمثابة نصر شخصي كبير، وانتماءً رمزياً إلى الجيل الذي يحمل الحبر بيد، والموقف باليد الأخرى.
ثم كانت مادتي الثانية على صفحات مجلة طريق اليسار، لتتكرس تلك اللحظة كتجربة لا تمحى من الذاكرة. ورغم مرور السنوات، لم تنقطع علاقتي بجريدة طريق الشعب، ما زلت أنشر على صفحاتها، أكتب بالكلمات ذاتها التي كنت أكتب بها شاباً لم يتمم العشرين.
37 عاماً من النشر المستمر، من الوفاء لذاك الصوت الأول، للطريق الأول، لتلك الجريدة التي كانت لنا نافذة على العالم، وسلاحاً نضالياً مشرقاً في وجه العتمة.
أن أكتب اليوم كما كتبت بالأمس، هو بحد ذاته فعل مقاومة لذاكرة النسيان، ومواصلة لمسار لم يبدأ كشغف عابر، بل كإيمان عميق بأن للكلمة موطن، وللحرية لغة لا تموت.
رغم أنني غادرت صفوف الحزب تنظيمياً لاحقاً، وذلك رفضاً للمضي في حالة الانشطار والانشقاق الذاتي، إلا أنني بقيت وفياً للفكر اليساري التقدمي، وسعيت إلى تجديد مفاهيمه، ومساءلة الجمود الذي أصاب العديد من التنظيمات اليسارية بعد صدمة البريسترويكا والغلاسنوست في الاتحاد السوفيتي.
كنت أحلم بخط يساري كردي حر، حداثي، مرن، صلب في الجوهر، لكنه قادر على نقد نفسه وتجديد لغته. وحين اندلعت الثورة السورية، رأيت في بعض ملامحها ما كنت أنادي به يوماً، خاصة في تجربة حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) الذي تبنّى مبدأ الحماية الذاتية والدفاع المشروع، وأعاد تعريف السياسة كخدمة للمجتمع وليست مجرد إطار تنظيمي منغلق.. كان ذلك نداءً يكسر من صمت الفجر مثل صياح ديك كردي في قرانا الكردية النائية.
رغم موجة الانبطاح اليميني، وصعود تيارات يسارية مغامرة مرتزقة، بقي الحزب اليساري الكردي في سوريا أميناً لنهجه الوطني، ولجماهيره الشعبية، ولرسالة التغيير الاجتماعي والكرامة القومية، لم يهادن الاستبداد، ولم يتحول إلى حزب موسمي مناسباتي، بل حافظ على خطه الفكري والسياسي في وجه محاولات التمييع والانتهازية.
إنّ الذكرى الستين لانطلاق الحزب، ليست مناسبة للاحتفال فحسب، بل هي دعوة لاستعادة الجذر النضالي الحقيقي، لتقييم المسار، وتجديد الفكرة، وربط الماضي بالحاضر من أجل مستقبل لا يزال ينتظر من يحمل شعلته.
ختاماً، في الخامس من آب، لا نحتفل بذكرى حزب فحسب، بل نستعيد ذاكرة جيلٍ حلم، وناضل، وخسر وربح، لكنه ظل مخلصاً للحقيقة.. نحيي التاريخ كي لا نخونه، ونكتب من جديد في جريدته التي اتسعت وتطورت وباتت صحيفة تحمل صورنا وأسماءنا، ومازالت الجريدة التي كانت بثلاث صفحات ما زالت تسكن في القلب، ولأن الحبر ما زال سلاح من لم يمتلك سوى صوته، فإنني أدعو الرفاق في اللجنة الإعلامية العليا للحزب إلى العمل الإذاعي وأهمية الانطلاق من الإعلام الورقي إلى البث الإذاعي المتلفز عبر إنشاء محطة راديو اف ام.. حيث يتردد في المدى اسم (راديو طريق اليسار اف ام) لينطلق نحو المغتربات وكل قرانا ومدننا المحتلة والمحررة..
*عبدالوهاب بيراني..
عضو الهيئة الإدارية لاتحاد المثقفين في مقاطعة الجزيرة
أستاذ محاضر في أكاديمية الفن بروجآفاي كردستان /ديريك




