الأهمية السياسية والتاريخية لكونفرانس وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا
بتاريخ 8/8/2025 عقد في مدينة الحسكة كونفرانس وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا بحضور ما يقارب /450/ شخصاً تحت شعار “معاً من أجل تنوع يعزز وحدتنا وشراكة تبني مستقبلنا”، وقد حضر الكونفرانس ممثلون عن الإدارة الذاتية الديمقراطية، وممثلو عدد واسع من الأحزاب والقوى السياسية والاجتماعية، وشخصيات وفعاليات اجتماعية ومثقفين من كافة المكونات في روجآفاي كردستان – شمال وشرق سوريا من الكرد والعرب والسريان والآشوريين والأرمن والتركمان، ومجلس سوريا الديمقراطية، وممثلون عن العشائر العربية والكردية ورجال دين مسلمين ومسيحيين، وحضر الكونفرانس افتراضياً عبر تقنية الفيديو كل من سماحة الشيخ غزال غزال شيخ مشايخ الطائفة العلوية، وسماحة الشيخ حكمت الهجري شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز، وبحضور واسع من قبل وسائل الإعلام.
بعد أن ألقيت في الكونفرانس العديد من الكلمات، تمت قراءة الوثيقة المعدة من قبل منظمي الكونفرانس، حيث جرت مناقشة واسعة لبنود الوثيقة من قبل الحضور، وبعد إدخال التعديلات اللازمة والمناسبة تم التصويت بالموافقة بالإجماع على الوثيقة، وأصدر الكونفرانس بعد ذلك بيانه الختامي الذي قرأه شيخ قبيلة الطي السيد فرحان الطائي.
يرتدي هذا الكونفرانس بمخرجاته، وبالوثيقة الصادرة عنه، وبطبيعة الحضور ونوعيته وجميع مداخلاته أهمية سياسية وتاريخية كبيرة ستنعكس على وضع سوريا ومستقبلها، فهو يأتي من جهة قبيل اجتماع باريس بين قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الانتقالية في دمشق برعاية دولية، كما يأتي بعيد الكارثة والمجزرة التي حدثت في السويداء، وقبلها مجازر الساحل السوري وحمص وحماة، إضافة إلى انسداد آفاق الحل السياسي والانتقال السياسي الناجم عن تفرد الإدارة الانتقالية في دمشق بكل شيء، وخاصة بما سمي بمؤتمر الحوار المشوه والإعلان الدستوري، وتشكيل الحكومة المؤقتة ومجلس الشعب بلا انتخابات، وكلها تشكل سلطة غير شرعية لا يمكن قبولها.
لهذا الكونفرانس أبعاده الدولية والإقليمية والمحلية، فعلى المستوى الدولي كان المؤتمر بقراراته ووثيقته السياسية تأكيداً على أن يقوم المجتمع الدولي برعاية حوار داخلي، والضغط على الإدارة الانتقالية من أجل أن تنفتح على كافة المكونات السورية، وإقامة نظام تعددي ومحاسبة مرتكبي مجازر الساحل والسويداء، دون أن تتمكن هذه الإدارة من استجداء شرعية من الخارج لأن مصدر الشرعية هو الداخل، هو الشعب السوري، وعلى المستوى الإقليمي فقد كان الكونفرانس خطوة مهمة من أجل إنقاذ سوريا من الضغوط التركية وتدخلها في الشأن السوري حيث تحتل تركيا جزءاً من الأراضي السورية، وتتدخل في الوضع السوري من ألفه إلى يائه، كما كان الكونفرانس مهماً من أجل إنهاء حالة بقاء سوريا مسرحاً للصراعات الخارجية، وأما على المستوى الداخلي فقد كان الكونفرانس خطوة مهمة من أجل بناء الدولة الوطنية الديمقراطية متعددة المكونات، ومن أجل بناء سوريا ديمقراطية تعددية لامركزية سياسية، لأن سوريا منذ نشأتها كانت دولة متعددة القوميات والأديان والمذاهب، وفي ظل دستور ديمقراطي توافقي يكرس التعددية القومية والدينية والثقافية، ويؤسس لدولة لامركزية تضمن المشاركة الحقيقية لجميع المكونات في العملية السياسية.
تكمن الأهمية السياسية والتاريخية لهذا الكونفرانس بأنها المرة الأولى التي تجتمع فيها هذه المكونات بشكل حر وديمقراطي وتعبر بشكل صريح عن مواقفها دون ضغط أو إكراه وعن إرادتها الوطنية الحرة في العيش المشترك دون إقصاء أو وصاية، وتؤكد على مواقفها تجاه شكل وطبيعة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد، وبعبارة مختصرة لقد وحد هذا الكونفرانس أغلبية السوريين، وعرى مواقف الإدارة الانتقالية والتدخلات التركية، وقد فاقت أهمية هذا الكونفرانس وتأثيراته توقعات البعض، إذ خلق واقعاً جديداً اهتزت بموجبه السياسات التركية ومواقف الإدارة الانتقالية، وهذا ما دعا تركيا إلى التحرك السريع لتشويه هذا الكونفرانس، وأرسلت وزير خارجيتها الذي وجه الإدارة الانتقالية بالانسحاب من اجتماع باريس، ثم قامت بشن حملة إعلامية بالاشتراك مع الإدارة الانتقالية حاربت فيه الكونفرانس ومخرجاته، واتهامه بالسعي للانفصال والإضرار بوحدة سوريا، لكنها انكسرت أمام الحقائق والوقائع القائمة على الأرض، ثم استدعت تركيا وزير الخارجية والدفاع ورئيس الاستخبارات في إدارة دمشق على عجل، ووجهتهم بالتصعيد في مواجهة قسد والإدارة الذاتية الديمقراطية، وأعلن الطرفان أيضاً على عجل اتفاقية تدريب وتسليح بين تركيا وسوريا لقطع الطريق أمام توافقات المكونات السورية.
غير أن الأهم من كل شيء هو توافق السوريين وتعزيز وحدتهم الداخلية، ويبقى الشعب السوري هو الأهم، وهو ما أكد عليه وانطلق منه كونفرانس وحدة موقف مكونات شمال وشرق سوريا.




