إيران.. الشرق الأوسط.. كردستان

-1-
بدءاً من حرب غزة ومروراً بالحرب في لبنان وتحجيم دور حزب الله اللبناني، وتغيير النظام السوري، ودعوة الدولة العميقة في تركيا وتحديداً دولت بهجلي وأحزابه التي استشعرت بالخطر بضرورة إيجاد حل للقضية الكردية في شمال كردستان، وما تلا ذلك من مبادرة السيد عبد الله أوجلان، وانتهاء بالحرب القائمة بين إسرائيل وإيران فإن الشرق الأوسط بكامله يهتز ويقف أمام تحولات كبرى، ولا شك أن صدى ذلك يتجاوب في كل المنطقة وفي كل أنحاء العالم.
إيران هي التي دفعت حركة حماس إلى فتح المعركة في غزة، وهي التي دفعت حزب الله اللبناني وما يسمى بالمقاومة الإسلامية في العراق إلى فتح المعركة مع إسرائيل تحت شعار إسناد غزة، وإيران هي التي تخلت عن النظام السوري ما أدى إلى سقوطه بشكل دراماتيكي وسيطرة هيئة تحرير الشام وحلفائها على دمشق في إطار مخطط دولي وإقليمي، والآن فإن الحرب بين إسرائيل وإيران هي داخل إيران نفسها، وكل الاحتمالات واردة بما في ذلك القضاء على الملف النووي الإيراني وحتى سقوط نظام الملالي نفسه.
تشتهر شعوب إيران بالثورات والحركات السياسية والاجتماعية الشعبية، ولم تكن تعول في يوم من الأيام على التدخل الخارجي، وقدم مئات الآلاف من الشهداء في معاركه ضد نظام الطاغية محمد رضا بهلوي، وضد نظام الملالي الرجعي الذي فرض عليها نظاماً رجعياً قاسياً، ونشر الفقر في إيران بالرغم من ثرواتها الضخمة، ونظام الملالي الرجعي هو الذي أوصل الأمور في المنطقة إلى ما هي عليه عبر سياساتها التوسعية بمساعدة أذرعها الطائفية في المنطقة (حزب الله اللبناني، النظام السوري، ميليشيات الحشد الشعبي العراقية والحوثيون في اليمن) وسيطرتها على أربع عواصم عربية.
معروف للجميع أن إسرائيل ليست وحدها في الحرب ضد إيران، وأن الولايات المتحدة والغرب عموماً يقف معها، وبذلك فإن الحرب الحالية هي حرب إقليمية ودولية، وحتى الدول العربية التي أصدرت بيانات وأدانت فيها الهجوم الإسرائيلي على إيران تقف في الواقع مع تغيير النظام الحالي في إيران الذي شكل على الدوام تهديداً خطيراً لها وبخاصة دول الخليج.
لم تعش إيران منذ استيلاء نظام الملالي عليها بالأمن والاستقرار لحظة واحدة، في البداية كانت الحرب العراقية الإيرانية 1980 – 1988، ثم قمع المعارضة الوطنية الديمقراطية واليسارية وقمع الحركات القومية وبخاصة الكردية بما في ذلك اغتيال قياداتها، عبد الرحمن قاسملو وصادق شرف كندي ورفاقه والحملات العسكرية الواسعة على كردستان، كما عاشت إيران انتفاضات واحتجاجات شعبية واسعة كان نظام الملالي يواجهها بالحديد والنار والإعدامات بالجملة، ولازال العالم كله يتذكر الاحتجاجات الواسعة التي نشبت بعد مقتل الفتاة الكردية جينا أميني إلى أن أصبح شعار (JIN – JIYAN – AZADî) شعاراً عالمياً.
-2-
كل الدلائل والمؤشرات تؤكد بأن نتائج الحرب الحالية وآثارها بين إسرائيل وإيران لن تبقى محصورة ضمن حدودهما، بل ستتعداهما إلى كامل الشرق الأوسط على طريق بناء شرق أوسط جديد، وستكون لها آثار دولية أيضاً، زعماء تركيا يعربون عن مخاوفهم علناً، ويخشون أن يكون الهدف الثاني هو تركيا، ولهذا يدعو العقلاء منهم إلى إيجاد حل سلمي للقضية الكردية في شمال كردستان، وفي هذا الإطار جاءت مبادرة السيد عبد الله أوجلان، ولا شك أن العراق سيكون هدفاً رئيسياً للتغيير وإنهاء دور ميليشيات الحشد الشعبي وتطوير العملية السياسية فيه على نحو ديمقراطي، وتعزيز دور إقليم كردستان في خلافاته مع حكومة المركز، وسيتعزز دور الحركة القومية الكردية في شرق كردستان التي تستعد منذ الآن للقيام بالمهام الملقاة على كاهلها، ومن المحتمل أيضاً أن تتسارع التطورات في تركيا باتجاه تنفيذ مبادرة السيد أوجلان ليس فقط لأن بهجلي وأردوغان يتخليان عن مفاهيمهما القومية المتطرفة، وإنما في مواجهة المخاطر الحقيقية والجدية التي تواجه تركيا، وفي سوريا يتعزز دور غرب كردستان ودور الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا (روجآفاي كردستان)، كما يتعزز دور قوات سوريا الديمقراطية التي تصبح اليوم قوة شبه رئيسية في سوريا وتصبح أملاً لكافة المكونات السورية، ومن المؤمل أن يصبح كل ذلك قاعدة لتأمين الحقوق القومية والديمقراطية للشعب الكردي في سوريا.
باستعراض سريع للوقائع على الأرض، وأبعاد الصراع الدائر في عموم منطقة الشرق الأوسط والقوى الدولية والإقليمية والمحلية التي تتصارع فيها، وبخاصة في ظروف النتائج التي يمكن أن تتمخض عنها الحرب الإسرائيلية – الإيرانية الدائرة اليوم يبدو واضحاً أن نجم الكرد في تصاعد كبير، وأنهم يقفون وجهاً لوجه أمام استحقاقات كبرى أهم ما فيها هو اقترابهم من الحرية، ونيل حقوقهم القومية والديمقراطية، وسيكون ذلك المدماك والخطوة الأولى لبناء شرق أوسط جديد تعم فيه الديمقراطية، كون الشرق الأوسط يرتكز على أربعة شعوب رئيسة هم الكرد والعرب والترك والفرس، ولا شك أيضاً أن الإسلام السياسي سيتلقى ضربات قوية، وسيكون الحل هو الديمقراطية وليس الإسلام مع احترامنا للإسلام كدين عندما يكون رافعة وطنية واتصالاً بين الإنسان وربه، وتكون الدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، ستكون المسألة الرئيسية هي إطلاق الحريات العامة وقضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ونؤكد بأن أحد أهم نتائج وآثار الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران ستكون بدون شك بروز القضية الكردية كقضية رئيسية في الشرق الأوسط والعالم لا بد من إيجاد حل عادل لها، وإلا فإن الشرق الأوسط لن يشهد الأمن والاستقرار.
-3-
لا شك أن كلاً من إسرائيل وإيران دولتان قويتان، ومدججتان بالأسلحة حتى أسنانهما، ويخطئ من يظن غير ذلك، ولأن آثار الحرب بينهما ستمتد إلى خارج حدودهما فإن كل التوقعات تشير إلى إمكانية اتساعها، وتدخل جهات أخرى فيها، وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية، وبالأساس فإنه لولا الوعود الأمريكية لحسبت إسرائيل ألف حساب قبل أن تقدم على الهجوم على إيران، وبطبيعة الحال فإن هناك دول تميل إلى إيران، وقد تساعدها بالأشكال الممكنة، وسيؤدي ذلك إلى تشكيل وضع إقليمي ودولي خطير يساهم في زيادة التوتر والتصعيد في اضطراب العلاقات الدولية المضطربة أصلاً سواء الناجمة عن الحرب الأوكرانية أو حرب غزة، أو الوضع غير المستقر في سوريا وغيرها، أو في تشكيل أقطاب جديدة، وغيرها من الصراعات الدولية.
-4-
معروف أن مصير الكرد الحالي شعباً وأرضاً قد تشكل في نهاية الحرب العالمية الأولى عبر تقسيم تركة الرجل المريض، واتفاقية سايكس – بيكو 1916 ومعاهدة لوزان 1923 بتقسيم كردستان وإلحاقها بكل من تركيا وسوريا والعراق، وكان شرق كردستان محتلاً من قبل إيران قبل ذلك، واستطاع الكرد في جنوب كردستان انتزاع حقوقهم القومية والديمقراطية عبر نظام فيدرالي في العراق عام 2003 إثر الحرب في العراق التي انتهت بإسقاط نظام صدام حسين البعثي الشوفيني، كما تمكن الكرد في غرب كردستان (روجآفا) بناء إدارة ذاتية ديمقراطية وانتزاع بعض حقوقهم القومية والديمقراطية بنتيجة الحراك الثوري الذي بدأ في سوريا عام 2011، ولايزالون يناضلون من أجل انتزاع كامل حقوقهم وتثبيتها في دستور البلاد، ومن خلال الكفاح المسلح الذي بدأه حزب العمال الكردستاني عام 1984 في شمال كردستان تنشأ الآن فرصة انتزاع الحقوق القومية والديمقراطية بعد مبادرة قائد الحزب السيد عبد الله أوجلان، وذلك بعد شعور قيادات الدولة التركية بوجود مخاطر تهدد تركيا.
إن هذه التطورات تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنه لا توجد دولة من الدول الغاصبة لكردستان مستعدة للاعتراف بالوجود القومي للشعب الكردي وبحقوقه القومية والديمقراطية بالطرق السلمية والديمقراطية لأنها جميعها دول غير ديمقراطية من جهة، وتحكمها أنظمة قومية (تركية، فارسية وعربية)، وبهذا الشكل يبدو أن الفرصة التي تتاح فيها للكرد لانتزاع حقوقهم هي أثناء الاضطرابات والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكبيرة التي تنشأ في المنطقة وفي تلك الدول وآثارها المحلية والإقليمية والدولية، وبهذا الشكل أيضاً يبدو أن الفرصة متاحة اليوم أمام الكرد في شرق كردستان للاستفادة من تطورات الحرب الناشبة اليوم بين إسرائيل وإيران، ولا شك أن الاستفادة من الوضع الجديد أمر مهم وصعب في الوقت نفسه، والحلقة المركزية فيه هي وحدة الشعب الكردي في شرق كردستان والحوار بين قواه السياسية والاجتماعية، ونعتقد أن جميعها تتفهم هذا الوضع الدقيق، ولا شك أن الحراك السياسي وتعبئة الشعب الكردي وطاقاته يجب أن تكون متناسقة مع الجهود العسكرية، ومن الضروري جداً تعزيز العلاقات مع كل الديمقراطيين الإيرانيين والقوى السياسية والاجتماعية في إيران بمختلف مكوناتها والتوافق معها على مستقبل إيران في حال سقوط النظام الحالي، وكذلك التحرك على المستوى الدولي والإقليمي، وتوضيح التوجهات الرئيسية للحراك الكردي أمام المجتمع الدولي، ويبقى أن دعم الشعب الكردي في عموم كردستان وفي المهاجر يشكل حجر الزاوية في انتصار قضية الكرد في شرق كردستان (روجهلات).




