كارثة بيئية وصحية تخنق الجزيرة.. دخان الحراقات والغبار والجفاف تفاقم انتشار الأمراض والسرطانات

تواجه منطقة الجزيرة واحدة من أخطر الأزمات البيئية والصحية في تاريخها الحديث، حيث تتقاطع عوامل التغيّر المناخي والجفاف وشحّ المياه مع تدهور بيئي واسع سببه ممارسات بشرية غير آمنة، أبرزها التكرير البدائي للنفط، واستخدام المولّدات الكهربائية، والانبعاثات الناتجة عن عوادم السيارات، إلى جانب انتشار العواصف الغبارية التي باتت جزءاً من المشهد اليومي للسكان.
وتشهد مدن وبلدات الجزيرة، من الحسكة وصولًا إلى دير الزور والرقة، تصاعداً في معدلات تلوث الهواء والمياه والتربة، ما أدى لتسجيل ارتفاع يُثير القلق في أمراض الجهاز التنفسي وحالات يُشتبه بأنها سرطانية، خصوصاً في المناطق القريبة من مواقع التكرير البدائي والأحياء التي تفتقر إلى مصادر كهرباء نظامية وتعتمد بشكل مكثّف على مولدات الديزل.
شح الأمطار وتغيّر المناخ يزيدان تفاقم الكارثة:
تراجُع معدلات الأمطار في السنوات الأخيرة خلق موجة جفاف شديدة تسببت في انهيار جزء كبير من الغطاء النباتي، ما جعل التربة مكشوفة ومعرضة للتطاير بفعل الرياح. وباتت العواصف الترابية والغبار الكثيف مشهداً متكرراً، يحمل معه جسيمات دقيقة ضارة تصل بسهولة إلى الرئتين وتشكل تهديداً كبيراً على الأطفال وكبار السن والمصابين بأمراض مزمنة.
وفي ظل هشاشة الموارد المائية ونقصها، لجأت أعداد كبيرة من السكان إلى مصادر مياه غير مراقبة أو ملوّثة، ما أدى لانتشار أمراض معوية وجلدية وارتفاع حالات التسمم، بحسب شهادات طبية محلية.
دخان الحراقات… الخطر الأكبر على صحة السكان:
في العديد من مناطق الجزيرة، أصبح التكرير البدائي للنفط مصدر الدخل الأساسي لآلاف العائلات. إلا أن هذه العملية البدائية تُعرّض العاملين والسكان المحيطين إلى مزيج سام من الغازات والمعادن الثقيلة والمركبات العضوية المسرطنة، الناتجة عن احتراق غير كامل ودون أي معايير سلامة أو فلاتر تنقية.
وتنتشر دخاخين الحراقات بكثافة فوق القرى والبلدات المحاذية لها، وتظهر طبقات سوداء على المباني والتربة الزراعية وأواني المنازل. ويشكو السكان من حالات ضيق تنفّس متكررة وسعال مزمن وحساسية صدرية، فيما تشير تقارير طبية إلى تسجيل ازدياد ملحوظ في أمراض تنفسية حادة لدى الأطفال.
المولدات الكهربائية… تلوث يفرضه غياب الكهرباء:
غياب الكهرباء النظامية دفع الأهالي للاعتماد على مولدات الديزل لساعات طويلة يومياً، وهو ما ضاعف مستويات التلوث في الهواء. ويشير أطباء في المنطقة إلى أن الفترة التي تشهد تشغيلاً متواصلاً للمولدات تتزامن مع ارتفاع في أعراض الربو ونوبات الاختناق والتهابات القصبات، إضافة إلى حالات صداع ودوار ناجمة عن التعرض المزمن لدخان الديزل.
أمراض وسرطانات… مؤشرات خطيرة تتطلب تحقيقات صحية:
تداول أهالي عدد من البلدات تقارير عن انتشار حالات سرطان الرئة والدم في مناطق قريبة من مواقع التكرير البدائي ومكبات النفايات النفطية، في حين تؤكد مصادر طبية الحاجة إلى دراسات وبائية موسّعة لتوثيق هذه الحالات وربطها بشكل علمي مع مصادر التلوث المتعددة في المنطقة. لكن المؤكد، بحسب الأطباء، أن النمط المتزايد لأمراض الجهاز التنفسي والجلد والمعدة يرتبط مباشرة بتدهور البيئة المحيطة.
تلوّث المياه والتربة يهدد الزراعة والغذاء:
لم تتوقف آثار الأزمة عند حدود الهواء الملوث. فالانبعاثات النفطية تسربت في عدة مناطق إلى التربة الزراعية، ما أثر على جودة المحاصيل، بينما تسببت المخلفات السائلة الناتجة عن التكرير البدائي في تلويث مصادر مياه قريبة من التجمعات السكنية. ويؤكد مزارعون أن إنتاجية الأراضي تراجعت بشكل غير مسبوق، وأن الروائح النفطية باتت تُشمُّ في بعض المناطق الزراعية بعد الري.
الحاجة إلى تدخل عاجل ومنسّق:
يشدد مختصون في الصحة العامة والبيئة على ضرورة إطلاق خطة طوارئ شاملة للحد من تدهور الوضع، تشمل:
– مراقبة جودة الهواء والمياه عبر محطات قياس ثابتة.
– توفير مياه شرب آمنة وبدائل مستدامة للطاقة.
– تنظيم عمل الحراقات أو نقلها بعيداً عن المراكز السكانية.
– دعم المراكز الصحية بفِرَق متخصصة لمتابعة الأمراض المرتبطة بالتلوث.
– برامج لإعادة تشجير المناطق المتصحرة لزيادة المساحات الخضراء والحد من الغبار.
– الاهتمام بالقطاع الزراعي ودعمه.
الأزمة البيئية في الجزيرة لم تعد مسألة خدمات أو ظروف مناخية فحسب، بل تحوّلت إلى تهديد مباشر لحياة السكان ومستقبل المنطقة، ما يستوجب تدخلاً فعّالاً وقرارات عاجلة على المستويات المحلية والدولية للحد من الكارثة البيئية والصحية التي تتفاقم يوماً بعد يوم.
تقرير: ع/أ



