ماذا يجري في سوريا؟

-1-
تتحسن العلاقات الأمريكية السورية بشكل ملفت، إذ تنفتح الولايات المتحدة على الإدارة الانتقالية، وكأن هذه الإدارة لا تتشكل من فصائل جهادية مصنفة على قوائم الإرهاب الدولية، يقابله انفتاح من قبل هذه الإدارة على الولايات المتحدة، فيذهب رئيس المرحلة الانتقالية إلى نيويورك ويلقي كلمة سوريا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويجري اتصالات مع مراكز القرار الأمريكي، وفي الوقت نفسه يكون وزير خارجيته في واشنطن لنفس الأسباب والأهداف، وتقوم بريطانيا بحذف اسم هيئة تحرير الشام من قوائم الإرهاب، ومن جانب آخر لا تنقطع الزيارات المكوكية بين المسؤولين الأتراك والسوريين، وهي زيارات تكاد تكون يومية، وكأن سوريا وتركيا بلد واحد، وكأن أردوغان هو رئيس سوريا أيضاً، فلا شيء يقبل في سوريا إلا إذا تم قبوله من قبل أردوغان وحاشيته، واللقاءات بين المسؤولين السوريين والإسرائيليين تتواصل باستمرار، ولا يعرف السوريون شيئاً عن نتائج تلك اللقاءات، إضافة إلى أن العلاقات السورية مع الدول العربية تلفها الغموض، ولم تستقر بعد على قاعدة ثابتة بسبب أن الإدارة الانتقالية لا تخرج من الحضن التركي، كما تم الترويج مؤخراً للعميد مناف طلاس لتولي وزارة الدفاع، وهو أمر إن تم فسيعني ذلك رحيل هذه الإدارة الانتقالية في غضون أقل من سنة، علماً أن معظم الدول العربية تفضل هذا الاختيار.
في مثل هذه الأجواء جاءت زيارة رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع إلى روسيا ولقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وإذا كانت هذه الزيارة قد لاقت الاستغراب من قبل العديد من الجهات، إلا أنها كانت محسوبة بدقة في إطار الوضع الدولي العام والصراع في الشرق الأوسط، وكذلك الصراع على سوريا ذاتها في مرحلة تتداخل فيها كل الإرادات الدولية والإقليمية وتناقضاتها ومصالحها، وكان تصريح رئيس المرحلة الانتقالية واضحاً في هذا الاتجاه عندما أكد للرئيس بوتين أن سوريا تعترف بجميع الاتفاقيات والمواثيق والمعاهدات المبرمة سابقاً بين الدولتين، وكانت هذه رسالة في كل الاتجاهات تقلق بعض الأطراف.
لا شك بأن الإدارة المؤقتة تهدف من هذه العلاقات وبهذه الطريقة إلى الحصول على الشرعية من الخارج، وقد يكون ذلك سليماً إلى حد ما ولكن بشكل جزئي، ولكن في المحصلة وفي النتائج فإن العلاقات بهذه الطريقة ترهن سوريا للخارج، وتفقد سيادتها على مصائرها، وتجعلها نهباً للخارج وساحة لتصفية الحسابات الدولية، ويفسد البلاد استقلالها الحقيقي.
العلاقات الدولية مهمة للغاية، وضرورية لجميع دول العالم، وتزداد أهميتها في عالمنا المعاصر، ولكن تبني علاقاتها على أساس الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وحسن الجوار، وفي إطار المصالح المشتركة، ولكنها في سوريا تتم من أجل استجداء الاعتراف بالإدارة المؤقتة الحالية، واستمرار بقائها في سدة السلطة.
-2-
وأما على الصعيد الداخلي فإن السياسة التي تتبعها الإدارة الانتقالية عمياء، لأنه إذا كان المطلوب داخلياً ووطنياً هو أولاً نشر الأمن والاستقرار والعدالة الانتقالية والاستعداد لإعادة البناء، فقد فشلت هذه الإدارة في ذلك بشكل كبير، لقد تصرفت منذ اللحظات الأولى وفق أساليب الفصائل الإرهابية، وليس كقوة وطنية تحررية، لقد انطلقت من مواقع الانتقام واللون الطائفي الواحد، وأعلنت منذ البداية أن سوريا دولة سنية إلى يوم القيامة، وأنهم أحفاد بني أمية، وكل هذا يتناقض مع حقيقة أن سوريا دولة متعددة القوميات والأديان والمذاهب، كما لم تكن السلطة الجديدة تحمل برنامجاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً محدداً وألغت الحياة السياسية في البلاد، وانطلقت من مبدأ من يحرر يقرر، مستبعدة كل المكونات السورية من المشهد السياسي في البلاد.
إن المجازر الوحشية التي ارتكبتها السلطة المؤقتة بحق العلويين في الساحل وحمص وحماة وكذلك مجازر السويداء بحق الدروز، وغيرها من أعمال خطف النساء والتصفيات الجسدية بدافع الانتقام والفلتان الأمني والتضييق على المسيحيين قد أصبحت عصية على المعالجة، وأصبح من الصعب إيجاد حل وطني لنتائجها وآثارها العميقة طالما تسيطر على السلطة نفس الفصائل لوحدها.
من حق الإدارة الانتقالية تنظيم العلاقات الدولية للبلاد، بل أنها مطالبة به، ولكن ذلك يجب أن يبنى على مصالح الدولة السورية، ومصالح الشعب السوري، والحق أيضاً هو أن الداخل السوري يجب أن يحتل الأهمية الأولى، والقاعدة الحقيقية هي أن العلاقات الخارجية تبنى على أساس الاعتبارات الداخلية، ولا بد من التوفيق بين ما هو داخلي وما هو خارجي، وهذا ما لا نجده في السياسية السورية.
لقد أبرمت اتفاقية 10/3/2025 بين كل من الجنرال مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية وأحمد الشرع رئيس المرحلة الانتقالية، ولكن الإدارة الانتقالية لم تنفذ أياً من بنودها، وقد خالفت الاتفاقية بعد /3/ أيام من توقيعها حين أصدرت الإدارة المؤقتة الإعلان الدستوري الذي يتعارض بالكامل مع بنود الاتفاقية، كما لم يتم إعادة مهجري عفرين وسريكانيه وكَري سبي إلى بيوتهم، حتى اتفاقية حيي الشيخ مقصود والأشرفية تعرضت للطمس عندما هاجمت قوات الإدارة الانتقالية الحيين بالمدرعات.
سياسة الإدارة الانتقالية ليست مستقلة، إنها تابعة لدولة الاحتلال التركي، وعملياً فإن تركيا هي التي أفشلت اجتماع باريس، وهي التي لا تسمح بتطبيق اتفاقية 10 آذار، وهي التي تعطل التفاهمات بين قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية الديمقراطية من جهة وبين الإدارة الانتقالية من جهة أخرى، وإذا ما حدث أي تفاهم بينهما فسرعان ما يطير وزير الخارجية السوري وفي نفس اليوم إلى تركيا ليخبرها بهذا التوافق الذي تفرغه تركيا من محتواه سريعاً، ثم ماذا يعني الإغلاق المستمر للمعابر بين مناطق الإدارة الذاتية ومناطق الإدارة الانتقالية وتحديداً دمشق وحلب، ماذا يسمى هذا الإجراء في السياسة؟ ألا يعني ذلك قطع أوصال المناطق السورية وتجزئتها؟ وعلى هذا المنوال تجري أيضاً السياسة الاستثمارية للإدارة الانتقالية مع شركات وهمية، ثم هل الوقت هو وقت التركيز على بناء الأبراج الفخمة في وقت يعاني فيه الشعب السوري من الجوع وتردي التعليم والصحة والعدالة؟
-3-
سوريا اليوم ليست متحدة، فمحافظة السويداء يديرها أهلها، وهي شبه منفصلة يطالب سكانها بحق تقرير المصير، وشمال وشرق سوريا تديرها الإدارة الذاتية الديمقراطية، وتحميها قسد والتحالف الدولي لمحاربة داعش، وفي الساحل السوري وبعض مناطق حمص وحماة تم الإعلان عن مشروع فيدرالية غرب ووسط سوريا، وهي المناطق ذات الأغلبية العلوية، والعلويون يعلنون صراحة عدم قبولهم بالحكم الجديد الذي ارتكب مجازر ضدهم، والجنوب السوري بأكمله بما في ذلك محافظات درعا والقنيطرة والسويداء وقسم من محافظة ريف دمشق هي مناطق منزوعة السلاح وتعيش تحت رحمة إسرائيل.
لا شك أن هذه الأوضاع مأساوية بالنسبة لسوريا وشعبها، ولكن الحكام الجدد في دمشق غارقون في سياسات لا تخدم مستقبل سوريا، فهم يبعدون مكونات الشعب السوري عن المشاركة في تقرير مصير البلاد، ولا يقبلون بأي حوار وطني حقيقي، ويبعدون القوى السياسية والاجتماعية عن العمل السياسي، بل يمارسون سياسة فصائلية تعرقل الوحدة الوطنية التي هي حجر الأساس في الحفاظ على سوريا دولة وطنية ديمقراطية متعددة المكونات، ومن هذا المنطلق يرفضون النظام السياسي اللامركزي، ويشددون على إقامة دولة شديدة المركزية ثبت فشلها، وكانت السبب الرئيسي لأنظمة القمع والاستبداد، والقفز على التعددية القومية والدينية والمذهبية للشعب السوري.
في مثل هذه الظروف تطالب الإدارة الانتقالية من قسد أن تحل نفسها، وتندمج كأفراد في وزارة الدفاع السورية، في وقت لا يوجد فيه جيش سوري، والموجود هو عبارة عن مجموعات من الفصائل الجهادية وقسم منها غير سورية، وهي لم تحل نفسها، بل تحافظ على هياكلها كما يعرف الجميع، فكيف تثق قسد وكافة مكونات شمال وشرق سوريا بهذا الطلب الذي يتضمن نوايا الإبادة الشاملة ضد الشعب الكردي وبشكل أفظع عن ما جرى في الساحل والسويداء، وفي الواقع فإن قسد هي التي يجب أن تشكل نواة الجيش السوري الجديد، ثم يعاد استكمال بنائه وفق أسس وطنية سورية مهمته الدفاع عن حدود البلاد.
لقد كان موقف قسد والإدارة الذاتية الديمقراطية صائباً تماماً عندما أكدا أنهما يقبلان اندماج قسد في وزارة الدفاع ككتلة مستقلة تحمي مناطق شمال وشرق سوريا، وتنتشر أيضاً في باقي المناطق السورية، خاصة أن هذه القوات تتشكل من مختلف المكونات السورية، وكان موقفهما صائباً أيضاً عندما أصرا على النظام السياسي اللامركزي لسوريا المستقبل وتمتع كافة مكوناتها بحقوقها القومية والديمقراطية.
-4-
لا شك أن المرحلة الحالية التي تمر بها سوريا هي من أخطر المراحل في تاريخها، ويتحدد مستقبل البلاد على النجاح في تجاوزها بشكل آمن، والحفاظ على وحدتها، وحدة كافة مكوناتها باتباع سياسات ومواقف وطنية جريئة ومسؤولة، وهي من واجب جميع السوريين بقواهم السياسية والاجتماعية وكافة مكوناتهم القومية والدينية والمذهبية.
إن المرحلة الحالية تستدعي تلاقي جميع القوى الوطنية والديمقراطية في البلاد، وإطلاق حوار وطني حقيقي ومسؤول لتوحيد الرؤى والمواقف على اعتبار أن ذلك يشكل المنطلق الأساسي لحماية البلاد ووحدتها واستقلالها في بناء الثقة بين جميع المكونات والتوصل إلى دستور ديمقراطي توافقي يؤمن الحريات العامة، حرية التعبير عن الرأي، حرية الصحافة وحرية التنظيم والتظاهر… وبناء جيش وطني مهمته الدفاع عن حدود البلاد، وتحديد شكل وطبيعة نظام الحكم في سوريا وتحديد علاقاتها الدولية والإقليمية، وتمتع كافة مكوناتها بحقوقها القومية والديمقراطية.




