آراء

سوريا على أعتاب 10 سنوات من استفحال الأزمة

فتح الله حسيني

   على مدى ما يقارب العشرة أعوام متقلبة خلت، وسوريا ككل، من أطراف دمشق إلى تخوم قامشلو تعيش مخاضاً عسيراً، بتحولها المتتالي المرير من أزمة إلى أزمة أكثر عمقاً، سواء اقتصادياً أو سياسياً أو عسكرياً أو مجتمعياً وخدمياً معاً، وكل ذلك لعدم وجود أرضية لطرح مبادرة دولية مسؤولة ومدروسة بدقة توقف هذا النزيف الكبير المتدفق على رؤوس الشعوب السورية قاطبة.

   تحولت سوريا على مدار تلك السنوات المريرة من عمر الأزمة، من بقعة جغرافية آمنة، رغم بعض الاختلافات السياسية والآيديولوجية، وربما كانت محصورة بين النظام والكرد فقط، رغم وجود ما تسمى بالمعارضة العربية، ولكنها في حقيقتها كانت معارضة موالية للنظام ولسياساته ومنضوية في إطار “الجبهة الوطنية التقدمية” الذي كان يقوده حزب البعث العربي الاشتراكي منذ السبعينيات وإلى بداية الأزمة، إلا أن سوريا الآن، تحولت بفضل عدم التنوع القومي إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، إقليمية بين إيران وتركيا من جهة، ودولية بين روسيا وأمريكا من جهة أخرى.

   عدم التوافق الروسي والأمريكي، على مناطق النفوذ والتي في حقيقتها قد قسمت الخارطة السورية إلى منطقتين كبيرتين، منقطة غرب نهر الفرات ومنطقة شرق الفرات، بحيث تكون منطقة غرب الفرات تحت النفوذ الروسي بالتوافق مع تركيا والمعارضة العربية، مقابل أن تكون منطقة شرق الفرات تحت النفوذ الأمريكي بالتوافق مع الكرد وقوات سوريا الديمقراطية، إلا أن النفوذ الروسي بات يتمدد إلى شرق الفرات أيضاً خاصة بعد تسيير دوريات مشتركة روسية وأمريكية من جهة، وروسية وتركية من جهة أخرى، في تدخل إقليمي ودولي سافر ومقيت في الشأن السوري دون أية مسؤولية وموقف واضح من النظام الذي بات يعيش في واد آخر بعيد عما هو موجود عملياً على أرض الواقع.

   بفضل التوافقات الروسية والتركية خسر الكرد عفرين، ثم خسروا كري سبي وسري كانيي، وبفضل التوافق الروسي والإيراني والتركي خسر السوريون: الباب وإعزاز وجرابلس، وكل هذه التوافقات سبقتها تقسيمات دون ضمانات وفق مخرجات مؤتمري أستانة وسوتشي، وكل ذلك على حساب استقرار وأمن الشعب السوري وأوجاعه، ودون أن يكون للسوري أي رأي حيال كل ما يحدث من خراب ودمار وتشريد.

   عاش الشعب السوري تداعيات هذا الخطر الكبير والمتفرع والموجود حالياً أيضاً، بعد انتشار الكثير من الفصائل المسلحة المدعومة إقليمياً داخل الخارطة السورية، وذلك لتحول سوريا إلى خراب كبير، وفق أجندات لا تخدم المنطقة ولا خارطتها المقبلة.

   يتمثل الخطر التركي في أنه بات خطراً داخلياً في سوريا، وتهديداتها لم تتوقف على مدار العشر سنوات السابقة، تهديدات بأشِكال مختلفة، وبتدخلات مختلفة، في ظل صمت دولي، وتوافق مع الدول الـ “ضامنة” للأزمة السورية.

   خيارات مواجهة هذه التدخلات كانت متوفرة لدى الكرد فحسب، دون غيرهم، إذ اعتمدت المعارضة العربية الإسلامية على تركيا في كل شيء، وسلمت سوريا على الخريطة إلى تركيا في منتديات استانبول وأنقرة، بينما ذلك الضامن الروسي صامتاً بل ومتوافقاً مع الراعي التركي بعد صفقات بيع أسلحة روسية لتركيا مقابل صمتها حيال الاحتلال المباشر للمدن الكردية في روجآفا، وذلك الصمت الدولي تحول فيما بعد إلى خطر فادح، إذ باتت الدول الأوروبية في مرمى تركيا من حيث ضرب أماكن في فيينا وباريس وأمستردام، وكل ذلك كورقة تركيا في وجه أوروبا التي لم تتدخل عملياً في وقف التمدد التركي في المنطقة، فبات العالم كله ساحة مفتوحة لتركيا التي بدأت فعلياً في استثمار ورقة الإرهاب لتهدد العالم يميناً وشمالاً من أجل إفشال كل الجهود الرامية إلى استقرار المنطقة وأولها سوريا التي باتت على مرمى الحل السياسي إلا أن تركيا ما زالت تدق طبول الحرب دون توقف، بعد تملكها لورقة المعارضة العربية بشقيها السياسي والعسكري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى