افتتاحيات الجريدة

التطورات الأخيرة في عفرين.. تركيا حصان طروادة

-1-

   في عملية مثيرة للانتباه قامت هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة) سابقاً المصنفة على قائمة الإرهاب الدولية في الآونة الأخيرة باحتلال عفرين وطرد العديد من الفصائل المسلحة منها، بينما وقفت ما تسمى بفصائل الحمزات والعمشات وسلطان شاه وهي فصائل تدعمها تركيا وتأتمر بأوامر الاستخبارات التركية، فماذا يقف وراء ذلك؟ وما هي أهداف هذه العملية؟ باختصار يبدو واضحاً بأن هذه العملية تأتي ضمن سلسلة الخطوات التي يتضمنها مشروع المصالحة بين النظام السوري والمعارضة السورية الذي جرى صياغته في قمة طهران بين كل من بوتين ورئيسي وأردوغان، وكذلك في اجتماع سوتشي بين كل من بوتين وأردوغان.

   ولأن العديد من فصائل المعارضة، وخاصة القاعدة الشعبية في إدلب والمناطق الواقعة تحت احتلال تركيا وتلك الفصائل لم تقبل بهذه المصالحة الإجبارية، وخرجت في تظاهرات واسعة حرقت فيها العلم التركي، وأعلنت صراحة أن تركيا تبيعهم للنظام السوري، فإن تركيا أردوغان ومن أجل تنفيذ مشاريعها الدنيئة تريد إزالتهم وإجبارهم على قبول قراراتها مستغلة اعتماد تلك الفصائل والقاعدة الشعبية على تركيا في كل شيء، بما في ذلك حمايتها ومعيشتها.

   بناء على ما تقدم فإنه لا يمكن الفصل بين احتلال جبهة النصرة لعفرين وبين قرارات قمة طهران ومشروع المصالحة المنبثق عنه والذي تقوده روسيا في ظروف الحرب في أوكرانيا والتصعيد الشديد في العلاقات الدولية وبالتالي جميع تداعيات هذه الحرب.

   تركيا لم تخرب سوريا فقط وإنما خربت حتى أصدقاءها من ما يسمى بالمعارضة السورية والجيش الحر الذي أسمي فيما بعد بالجيش الوطني، وحوله إلى مجموعات مرتزقة حقيقية زجت بها في ليبيا وكاراباغ وغيرها لتحقيق الأهداف والسياسات التركية الإجرامية في المنطقة، كما استخدمتها في محاربة قوات سوريا الديمقراطية ومشاركتها لقوات الاحتلال التركي في احتلال عفرين وسريكانيه وكًري سبي وغيرها من الأراضي السورية، وبذلك فإن تلك المعارضة في إطار الائتلاف السوري الذي هو في الأساس مطية لتركيا أردوغان وجماعة الأخوان المسلمين ومعها بعض الفصائل العسكرية التي ارتضت لنفسها العمل مع المحتل التركي تحصد اليوم نتائج مواقفها وسياساتها الخاطئة التي جعلتها تعمل تحت راية الاحتلال التركي.

   واضح للجميع أن جبهة النصرة تعمل بأوامر تركية وبمساعدة قواتها العسكرية، وهو ما يظهر للعيان من خلال سير المعارك على الأرض ومشاهدات المراقبين، وبطبيعة الحال فإن الخطة التي تنفذها تركيا بموجب الاتفاق الثلاثي ستأتي على مراحل، إذ لا يمكن تنفيذها دفعة واحدة، وبحسب بعض المصادر الإعلامية فإن تركيا سوف تبعد بعض قيادات الائتلاف السوري عن أراضيها كأحد الشروط التي يقتضيها مشروع المصالحة بين النظام والمعارضة، ومن المتوقع أن تقوم تركيا بعد ترتيب الأوضاع في عفرين وغيرها من المناطق سواء كان في إدلب أو غيرها بتنفيذ إجراء تهجير قسري للمهاجرين السوريين في تركيا إلى تلك المناطق بحيث يتخلص أردوغان من هؤلاء المهاجرين أولاً، ويجبرهم على الموافقة على مشروع المصالحة ثانياً.

-2-

   بعد فترة وجيزة من بدء الأزمة السورية بعد عام 2011م أصبح واضحاً أن الصراع في سوريا ليس فقط سورياً – سورياً بل هو صراع محلي وإقليمي ودولي في آن واحد، وأصبح ما يجري في سوريا حرباً عالمية ثالثة بالمقايسة مع عدد الدول والمجموعات المسلحة المتدخلة في الصراع المسلح في سوريا، كما أصبح واضحاً صعوبة أن يقوم السوريون بأنفسهم بحل هذه الأزمة، وواضح للجميع أيضاً الآن أن الوضع في سوريا هو من النقاط الأكثر سخونة في المنطقة، بل وفي العالم بعد أوكرانيا، وأن للحرب في أوكرانيا تأثير مباشر على سوريا وعلى السياسات التي تمارس إزاءها.

   لقد تأكدت تركيا أنها لن تستطيع بعد الآن تحقيق المزيد من الانتصارات العسكرية في سوريا سواء في ظروف الحرب الجارية في أوكرانيا أو في ظروف الوضع الداخلي في تركيا الذي يسير بعكس ما يريده أردوغان، ولهذا كانت استدارته الأخيرة والتوافق مع بوتين ورئيسي نحو خطة المصالحة بين النظام والمعارضة السورية.

   وبناء على ما تقدم فإن ما يجري اليوم في الشمال السوري من تمدد لجبهة النصرة واحتلالها لعفرين هو مخطط دولي ناتج عن الاتفاقات التي تمت في طهران بين كل من الرؤساء بوتين ورئيسي وأردوغان، وهو يشكل أحد حلقات ما تسمى بعملية المصالحة بين النظام السوري والمعارضة السورية، ولها أهداف عديدة من أهمها:

1- تفرغ جميع الأطراف المذكورة (روسيا – إيران – تركيا – النظام السوري) للقضاء على الإدارة الذاتية الديمقراطية.

2- إجبار التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة على الانسحاب من مناطق روج آفاي كردستان – شمال وشرق سوريا.

3- بسط سلطة النظام على كامل الأراضي السورية وتحويلها بالتالي إلى ألعوبة بيدها تنفذ من خلالها سياساتها في المنطقة.

   وبذلك تكون ما سميت بالثورة السورية ومئات الآلاف من الضحايا والمعتقلين ومآسي السوريين وتهجير نصف الشعب السوري وضياع ممتلكاتهم وتخريب البنية التحتية لكامل سوريا قد ذهبت سدى، وبقي النظام سائداً ومنتصراً، وتستمر بعد ذلك معاناة الشعب السوري.

-3-

   إن الاتفاق الثلاثي بين كل من روسيا وإيران وتركيا (المؤامرة) سيلحق الكثير من الصعوبات والأضرار، ولكن لا يعني بالضرورة نجاحه، لأن أمامه أيضاً قوى كبيرة ومؤثرة، سيقف أمامه التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية والعديد من الدول العربية، وكل الأحرار والشرفاء السوريون.

   في ظروف الوضع الدولي الجديد بعد الحرب في أوكرانيا فإنه من المستحيل أن ينسحب التحالف الدولي من سوريا، وأن يقدم سوريا إلى روسيا وإيران وتركيا على طبق من ذهب، في الظروف الدولية الجديدة لن يسمح الغرب بنجاح الخطة التي تقودها روسيا وإيران وتركيا، ثم إن الشعب السوري ليس بلا إرادة فهو سيدافع بقوة عن بلاده ولن يتركها للذئاب، وستكون مشاركة جبهة النصرة في تنفيذ الخطة وبالاً على تركيا وإيران وروسيا وفي غير مصلحتها، وسبباً في نشوء تكتل دولي وعربي لمواجهتها، ثم إن قوات سوريا الديمقراطية قد تحولت إلى قوة رئيسية في سوريا، ولولا المباركة الدولية للهجوم التركي لما تمكنت تركيا أصلاً من احتلال عفرين وسريكانيه وكَري سبي. وبإمكان قوات سوريا الديمقراطية إدارة معارك ناجحة مع مرتزقة تركيا وغيرها، ناهيكم عن أن الدول الثلاث روسيا وإيران وتركيا ليست دول كلية القدرة فأمام كل واحدة منها مشاغل كثيرة، روسيا منهمكة في الحرب الأوكرانية ولا تدري كيف ومتى تخرج منها، وإيران تشتعل بالاحتجاجات الشعبية ووضعها الاقتصادي سيء للغاية كما أنها تئن تحت وطأة العقوبات الدولية، وأما تركيا أردوغان فإن وضعها الاقتصادي يتدهور وتتدهور قيمة عملتها، بالإضافة إلى أزماتها الداخلية الأخرى وعزلتها الدولية، وفشل سياسات أردوغان في المنطقة.

-4-

   إن إفشال هذا الاتفاق (المؤامرة) مهمة كبرى يجب أن تتصدر مهام الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، وهي مهمة يجب أن تحظى بالأهمية القصوى بالنظر إلى الخطورة الكبرى التي ترتديها المؤامرة، لأن أهدافها المعادية للإدارة الذاتية وللشعب الكردي واضحة، جميع أطراف الاتفاق معادون لإقامة كيان كردي في سوريا، بل وفي أي مكان آخر، وللإدارة الذاتية، ولهذا السبب فإنها يجب أن تتحرك سريعاً وعلى كافة المحاور.

– المحور العسكري: تعزيز قوات سوريا الديمقراطية وكافة القوى الأمنية الأخرى وتسليحها بالشكل المناسب، والاستعداد الدائم للمعركة.

– المحور السياسي: تعبئة طاقات الشعب وتوحيده في وجه القوى المعادية.

– المحور الدبلوماسي: التحرك على الصعيد الدولي وشرح جوانب الاتفاق الثلاثي وكسب الدعم الدولي.

– المحور الاقتصادي والاجتماعي: وهما يحظيان بأهمية كبيرة في أوقات الحروب ويعززان روح المقاومة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى