آراء

تركيا أردوغان وسياسات اللحظة الأخيرة

طريق الشعب - العدد (429)

   لا شك أن الرئيس التركي أردوغان يحتسب للتغييرات التي ستحدث عند مجيء الإدارة الأمريكية الجديدة، وهي إدارة لن تكون صديقة له، وخلال الفترة الانتقالية يسعى أردوغان بشكل حثيث إلى استكمال ما لم يتمكن القيام به خلال الفترة السابقة، أو لتحقيق مكاسب جديدة خلال الوقت الضائع، ولهذا نراه يوزع مرتزقته السوريين وغير السوريين إلى الأماكن التي تخدم تحقيق سياساته.

   بدأ أردوغان من جديد إرسال شحنات الأسلحة إلى ليبيا لتخريب حوارات الليبيين الهادفة إلى التوصل إلى التوافق وحل مشاكلهم سلمياً وطرد المرتزقة والقوات الأجنبية من أراضيهم، وبالفعل فإن القوى الموالية لتركيا وفي مقدمتها حكومة الوفاق وجماعة الإخوان المسلمين والمجموعات المرتبطة بقطر وغيرها تحاول إفشال هذا الحوار والعودة إلى المربع الأول، وفي روج آفاي كردستان وشمال وشرق سوريا تقوم تركيا ومرتزقتها بقصف عين عيسى وريفها وقصف قرى زركان وتل تمر، وتصعيد الأعمال العسكرية بشكل مستمر والتهديد الدائم باحتلال مناطق أخرى إضافة إلى قطعها المستمر لمياه آبار علوك عن أكثر من مليون ومائتي ألف من سكان الحسكة وتل تمر وضواحيهما وأريافهما، وسرقة المزيد من ممتلكات المواطنين وسرقة الآثار وتخريب الأوابد التاريخية في المنطقة، وتقوم أيضاً بإسكان الجيش التركستاني الإسلامي في ضواحي آمد تمهيداً لاستخدامه ضد الشعب الكردي في شمال كردستان، وإرساله من هناك إلى الجهات والأماكن التي يريد أردوغان تنفيذ سياساته فيها، كما تصعد تركيا الموقف في شرق المتوسط والاستمرار في التنقيب عن النفط والغاز هناك، وهكذا يمكن القول إن أردوغان الآن في سباق مع الزمن لتحقيق أهداف في وقت لا تطاله المحاسبة الآنية.

   منذ عدة سنوات يمارس أردوغان سياسة حافة الهاوية، ولازال مستمراً فيها في وقت تمر فيه الدول العربية بأزمات داخلية مستعصية، كما تعاني فيه أوروبا ضعفاً واضحاً لجهة خلافاتها وعدم القدرة على اتخاذ موقف موحد تجاه عربدة تركيا بسبب المصالح المختلفة لدولها، ولعب أردوغان على حبلي الولايات المتحدة والاتحاد الروسي، والعلاقات الشخصية بينه وبين ترامب القائمة على المصالح التجارية، وفي الوقت نفسه فإنه يمارس في الداخل التركي سياسة مماثلة لسياساته الخارجية، فآلة القمع التركية داخل تركيا لم تتوقف لحظة واحدة، الاعتقالات مستمرة والسجون التركية متخمة بالمساجين الذين يزداد عددهم يوماً بعد يوم، والقمع ضد حزب الشعوب الديمقراطي مفتوح إلى آخره، والعداء ضد الكرد، ولو كانوا في أدغال أفريقيا، سمة حكم أردوغان الفاشي، وكذلك اعتقال الإعلاميين والمثقفين وكل المخالفين لحزب العدالة والتنمية ورئيسه أردوغان.

   إن سياسة المقايضة والصفقات سمة بارزة في سياسة أردوغان السورية، إذ قام ببيع حلب مع جماعته مما تسمى بالمعارضة إلى روسيا والنظام مقابل احتلاله لجرابلس والباب وإعزاز، وباع غوطة دمشق مع جماعته المعارضة مقابل احتلاله لعفرين، وبناء على علاقات شخصية ومصالح تجارية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب احتل سري كانيه وكَري سبي.

   ويبدو أن أردوغان يحاول متابعة هذه اللعبة مع روسيا مجدداً، فروسيا التي جاءت إلى سوريا بهدف حماية النظام والحصول على مكاسب كثيرة مقابل ذلك، ومن أهم تلك المصالح جعل سوريا قاعدة رئيسية على المياه الدافئة وفي قلب الشرق الأوسط لتكون مدخلها الرئيسي في سياستها في آسيا وأفريقيا تعهدت بحماية المنطقة من الهجمات التركية بشرط أن تبتعد قوات سوريا الديمقراطية عن الحدود مسافة /32/كم، وأن تنتشر القوات الروسية وقوات النظام على الحدود مع تركيا، وقبلت قوات سوريا الديمقراطية هذا الشرط، وانتشرت القوات الروسية وقوات النظام فعلاً على الحدود، وأصبحت روسيا تسيّر دوريات مشتركة مع القوات التركية على الحدود المشتركة، ولأن أردوغان استمرأ سياسة الصفقات فإنه لم يتوقف عن العدوان يوماً واحداً، وهو يقصف كل المنطقة المشمولة بالاتفاق، وروسيا لا تفي بتعهداتها، وإنما تطلب من قوات سوريا الديمقراطية تسليم مناطق كذا وكذا إلى الحكومة السورية لكي تمتنع تركيا عن الهجوم عليها، إنها لعبة مثلثة الأضلاع، روسيا وتركيا والنظام السوري، تضغط روسيا على قوات سوريا الديمقراطية بكل الأساليب، وبالابتزاز لكي تعيد قوات النظام شيئاً فشيئاً إلى مناطق الإدارة الذاتية، وأكثر من ذلك لا تضغط روسيا على تركيا للالتزام بالاتفاقية المبرمة بينهما، وحتى لا تضغط عليها عن قطعها مياه علوك عن الحسكة وتل تمر وأريافهما البالغ عدد سكانها أكثر من مليون ومائتي ألف مواطن.

   غير أن الوضع الدولي بدأ يتحرك بعكس ما تشتهي سفن أردوغان، فالاتحاد الأوروبي أعلن عن عقوبات ضد تركيا قد تتسع في الأيام القادمة، وأقر الكونغرس الأمريكي عقوبات أيضاً ضدها، وأصبحت العديد في الدول العربية تحاصر سياسات أردوغان، وأصبح الداخل التركي يرفع صوته عالياً تجاه تلك السياسات، ولن تفيد أردوغان سياسات اللحظة الأخيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى